أحمد بن علي القلقشندي

287

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

الصّخرة مسّا ، وألفيت « باقلا » لديه « قسّا » ؛ فما كلّ من طرق قرى ، ولا من إذا خلق فرى ؛ وهذا المعهود من خاطري إذا كان جامّا فكيف وقد نضب ماؤه وكدّرت الحوادث بحر علمه والغير ، فمن دون أن تستخرج منه الدّرر أن يلين لضرس الماضغ الحجر ؛ فبذل جهده لما شعّبت الهموم سبله ، وتقنّع بالخلق من لا جديد له . هذا مع واقعة وقعت له فأصبح متشتّتا ، وثنى عنانه عن كلّ شيء إليها متلفّتا ، وذلك أنّه في بارحته استولى عليه القلق بسلطانه ، واستلبت يد الأرق كراه من بين أجفانه ، كأنّه ساورته ضئيلة سمّها ناقع ( 1 ) ، أو مدّت إليه خطاطيف حجن ( 2 ) لها أيدي الخطوب نوازع : إذا اللَّيل ألبسني ثوبه تقلَّب فيه فتى موجع فتارة فكرته متوجّهة نحو قلَّة حظَّه ، وآونة لا يقع إلَّا على ما يقذفه طارف لحظه ؛ وإنّ يد الخمول قد استولت عليه ، وأزمّة المطالب صرفت عنه وحقّها أن تصرف إليه ، والسعادة شاردة عنه وما أجدرها أن تطيف ببابه وتستقرّ بين يديه : لئن كان أدلى حابل فتعذّرت عليه وكانت رادة فتخطَّت لما تركته رغبة عن حباله ولكنّها كانت لآخر خطَّت ! ! ولقد جهد في سلَّم الدّهر وهو يحاربه ، « وكيف توقّى ظهر ما أنت راكبه » ؟ فما شام بارقة أمل إلا أخفقت ورجع بخفّي حنين ، وقرّت أعين

--> ( 1 ) مأخوذ من قول النابغة الذبياني . أتاني أبيت اللعن أنك لمتني وتلك التي تصتكّ منها المسامع فبتّ كأن قد ساورتني ضئيلة من الرّقش في أنيابها السمّ ناقع ( 2 ) أي معوجّة .